خالد فولان يفتح دفاتر الماضي بـ«عذزوني يا لخيات».. حكاية جيل وذاكرة وطن

Image description
الجمعة 14 أغسطس 2026 - 22:25 سلمي الموفيد النور TV

الدار البيضاء: ليست كل الأغاني تُسمع بالأذن؛ بعضها يُسمع من الداخل. ومن هذا النوع تأتي قصيدة «عذزوني يا لخيات» لخالد فولان، التي تختار أن تقترب من الإنسان المغربي من زاوية مختلفة، حيث لا يكون البكاء ضعفاً، ولا استحضار الماضي مجرد حنين، بل يصبح الاثنان لغة لفهم ما تفعله السنوات بالإنسان وعلاقاته وذاكرته.

منذ الوهلة الأولى، يبدو النص بسيطاً في مفرداته، لكنه يفتح أبواباً واسعة على أسئلة أكبر من حدود القصيدة. فالشاعر لا يروي حكاية شخصية مغلقة، وإنما يستدعي صوراً مألوفة في الوجدان المغربي: الرفقة، الوفاء، الفراق، تبدل الأحوال، وضحكة كانت بالأمس قريبة قبل أن تصبح اليوم مجرد ذكرى.

قوة «عذزوني يا لخيات» لا تكمن في تعقيدها، بل في قدرتها على جعل الكلام اليومي يحمل معنى شعرياً. فالجملة التي قد تبدو عابرة في حديث الناس، تتحول داخل الأغنية إلى مرآة لمرحلة كاملة من العمر. وهنا ينجح فولان في الاقتراب من المستمع دون أن يفرض عليه تفسيراً واحداً؛ كل شخص يستطيع أن يجد في الكلمات شيئاً من حكايته الخاصة.

واللافت أن الحزن في هذا العمل لا يأتي منفرداً. إنه حزن تختلط به السخرية الخفيفة، وتجاوره الذكريات الجميلة، وتقطعه لحظات من الاعتراف الصريح بأن الحياة لا تمنح الإنسان دائماً فرصة لاستعادة ما فقده. لذلك تبدو القصيدة أقرب إلى حديث رجل جلس طويلاً مع نفسه، ثم قرر أن يشارك الآخرين خلاصة ما تعلمه.

وفي خلفية النص، تحضر صورة الصداقة باعتبارها أكثر من مجرد علاقة عابرة. إنها امتحان للزمن. الأصدقاء الذين جمعتهم سنوات طويلة قد تفرقهم الظروف، وقد يتغير القرب إلى مسافة، لكن بعض الوجوه تبقى عالقة في الذاكرة مهما ابتعدت. ومن هنا يصبح استدعاء «لخيات» بمثابة استدعاء لجيل كامل من العلاقات التي كانت تقوم على البساطة والثقة وحضور الإنسان إلى جانب الإنسان.

كما أن العمل يلامس فكرة أخرى شديدة القرب من الوجدان المغربي: الخوف من أن يصبح الماضي أجمل من الحاضر. فكلما تقدم العمر، لا يعود الإنسان يسترجع الأحداث كما وقعت فقط، وإنما يعيد بناءها من خلال إحساسه الحالي. الأشخاص الذين كانوا عاديين في لحظتهم قد يتحولون بعد سنوات إلى شخصيات استثنائية في الذاكرة، والأماكن التي لم ننتبه إلى قيمتها آنذاك قد تصبح لاحقاً جزءاً من أجمل ما نتذكره.

وهنا تحديداً تكمن القيمة الفنية للنص: إنه لا يتحدث عن الماضي بقدر ما يتحدث عن أثر الماضي في الحاضر.

أما تكرار عبارة «عذزوني يا لخيات»، فيمنح العمل إيقاعاً وجدانياً خاصاً. إنها ليست مجرد لازمة موسيقية، بل تبدو كأنها نداء يتكرر كلما عجز الكلام عن حمل ما في القلب. ومع كل عودة إليها، يتغير معناها قليلاً؛ مرة تبدو اعتذاراً، ومرة اعترافاً، ومرة تحية إلى أشخاص غابوا، ومرة أخرى إعلاناً بأن العمر ترك ندوبه الخاصة.

والأجمل أن فولان لا يحاول تقديم نفسه شاعراً بعيداً عن الناس. لغته تظل قريبة من الشارع المغربي، من الكلام الذي يعرفه الناس ويستعملونه في حياتهم اليومية. لكنه يمنح هذه اللغة فرصة أخرى كي تُسمع من زاوية فنية، فيتحول التعبير البسيط إلى صورة، والذكرى إلى مشهد، والوجع إلى أغنية.

في النهاية، تبدو «عذزوني يا لخيات» أكثر من نص غنائي عن البكاء والذكريات. إنها محاولة للتصالح مع العمر، ومع الأصدقاء الذين تغيروا، ومع الأيام التي لم تعد قابلة للاسترجاع. قصيدة تقول، بطريقة مغربية خالصة، إن الإنسان قد يضحك كثيراً وهو يحمل في داخله حكايات لا يعرفها أحد.

ولهذا ربما تصل الأغنية إلى المستمع بسرعة؛ لأنها لا تطلب منه أن يعيش قصة خالد فولان، بل تترك له مساحة واسعة كي يستعيد قصته هو.

«عذزوني يا لخيات» ليست أغنية عن نهاية شيء واحد، بقدر ما هي أغنية عن الأشياء التي تنتهي في حياتنا، بينما تظل حاضرة في ذاكرتنا.

الأكثر قراءة