في زمنٍ تشتدّ فيه المطالب بتجديد الثقة في مؤسسات الدولة، وتعلو فيه أصوات المواطنين للمطالبة بالإنصاف والشفافية، تأتي واقعة توقيف قائد ترابي بعمالة مراكش لتدقّ مجددًا جرس مساءلة طالما تأخر قرعه: هل أصبح رجال السلطة فعلاً تحت طائلة المحاسبة؟ أم أن الأمر لا يزال استثناءً في بحر من الحصانات الرمزية؟
البلاغ الرسمي الصادر عن وزارة الداخلية مساء الإثنين بدا صارمًا في نبرته، وهو يؤكد توقيف المسؤول المذكور، مع الإشارة إلى فتح بحث قضائي بإشراف النيابة العامة، بناء على "الاشتباه في تورطه في إحدى جرائم الفساد". والأهم في البلاغ ليس فقط التأكيد على تفعيل الإجراءات الإدارية، بل الإحالة الصريحة على "نتائج التحقيقات والمساطر القضائية"، ما يعني أن سقف الحماية الإدارية لرجال السلطة قد لا يكون مطلقًا كما كان يُعتقد.
الواقعة، رغم خصوصيتها، تفتح النقاش على مصراعيه: إلى أي مدى نحن مستعدون، كدولة ومجتمع، لتوسيع دائرة المساءلة القضائية لتشمل كل من يتولى إدارة الشأن العام؟ هل تجاوزنا بالفعل "الطابوهات الإدارية" التي كانت تحول دون الاقتراب من بعض الفئات "المحصّنة" وظيفيًا؟
لسنوات، ظل رجال السلطة في المغرب يُحاطون بهالة من الحصانة الفعلية، لا القانونية فقط، تجعل من مساءلتهم أمرًا نادرًا، إن لم يكن مستحيلًا. لكن التحولات السياسية والدستورية التي عرفتها البلاد، خصوصًا منذ 2011، جعلت من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة عنوانًا عريضًا للتدبير العمومي.
غير أن هذا الشعار، على وجاهته، يبقى بحاجة إلى تفعيل متوازن. فمحاسبة رجل سلطة واحد – حتى لو كانت القضية جسيمة – لا تصنع ربيعًا. المطلوب اليوم هو نهج ممنهج يعيد رسم العلاقة بين المواطن والإدارة، يقوم على تكافؤ الحقوق والواجبات، ويجعل من كل مسؤول، كيفما كانت رتبته، تحت رقابة القانون والمجتمع معًا.
قد يكون توقيف القائد بمراكش مجرد حلقة من مسلسل طويل، أو لعله مجرد رسالة تأديبية ظرفية. لكن الأهم هو ما سيترتب عنها لاحقًا. فهل نملك الشجاعة المؤسسية للذهاب بالتحقيق إلى مداه الكامل؟ وهل سيكون هناك وضوح في نتائج المسطرة؟ أم أن القضية ستُطوى كما طُويت عشرات الملفات قبله، دون أن تصل إلى القضاء أو إلى الرأي العام؟
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بشخص بعينه، بل بمنظومة برمتها. منظومة يُفترض أن تخضع لمنطق الشفافية، لا لميزان القوة أو شبكة العلاقات.
وحدها الأيام القادمة كفيلة بالإجابة عن السؤال الحقيقي: هل نحن أمام لحظة محاسبة حقيقية؟ أم مجرد لحظة عابرة في عمر إداري طويل؟