لم يعد ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية مجرد قضية دبلوماسية عالقة بين بلدين تجمعهما ذاكرة ثقيلة ومصالح متشابكة، بل تحول مبكرا إلى ورقة انتخابية ساخنة في سباق الرئاسة الفرنسية المرتقب سنة 2027. فكل خطوة تقارب بين باريس والجزائر أصبحت كفيلة بإشعال سجال سياسي داخل فرنسا، يكشف حجم الانقسام العميق بين تيارين: أحدهما يرى في التهدئة ضرورة استراتيجية، والثاني يعتبرها “خضوعا” غير مقبول للجزائر.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اختار مجددا لغة الحوار، حين رفض دعوات التصعيد ودافع عن “علاقة هادئة” مع الجزائر، بعيدا عن ما وصفه بالمزايدات السياسية الداخلية. غير أن هذا التوجه لم يمر دون ردود فعل قوية، خصوصا من اليمين واليمين المتطرف، اللذين جعلا من الجزائر ملفا مركزيا في معركتهما السياسية المقبلة.
اللافت أن شخصيات محسوبة تاريخيا على اليمين الفرنسي، مثل دومينيك دو فيلبان، بدت أكثر واقعية في مقاربة الملف، حين تحدثت عن “ذوبان الجليد” بين البلدين وأهمية الحفاظ على التعاون الأمني والسياسي مع الجزائر باعتبارها فاعلا محوريا في المنطقة المغاربية. وفي الاتجاه نفسه، ذهب زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون، الذي اعتبر أن منطق الحوار “أكثر ذكاء” من خطاب التصعيد، داعيا إلى تجاوز عقلية حرب الجزائر وبناء علاقات طبيعية بين البلدين.
في المقابل، يواصل اليمين الفرنسي توظيف الملف الجزائري بمنطق انتخابي صرف. برونو روتايو، المرشح الرسمي لحزب الجمهوريين، لم يتردد في اتهام ماكرون باتباع “سياسة استسلام”، معتبرا أن فرنسا أصبحت “رهينة لابتزاز الذاكرة”. أما إدوار فيليب وجوردان بارديلا، فاختارا بدورهما خطاب التشدد، خصوصا في ملفات الهجرة والاتفاقيات الثنائية، في محاولة لاستمالة القاعدة الانتخابية المحافظة واليمينية المتطرفة.
الحقيقة أن الجزائر تحولت داخل فرنسا إلى أكثر من مجرد ملف دبلوماسي؛ إنها قضية هوية وذاكرة وانتخابات أيضا. فالجالية الجزائرية والفرنسيون المرتبطون بتاريخ الاستعمار يشكلون كتلة انتخابية مؤثرة، ما يجعل أي موقف من الجزائر يحمل بالضرورة حسابات سياسية وانتخابية دقيقة.
وبين من يدعو إلى المصالحة ومن يرفع شعار القطيعة، يبدو أن العلاقات الجزائرية الفرنسية ستظل واحدة من أبرز ساحات الصراع السياسي في فرنسا خلال السنوات المقبلة. فكلما اقترب موعد انتخابات 2027، كلما ارتفع منسوب التوظيف السياسي لذاكرة لم تُطوَ صفحاتها بعد.