لم تعد الخلافات داخل الأغلبية الحكومية المغربية مجرد نقاشات تدور خلف الأبواب المغلقة، بل بدأت تخرج إلى العلن، مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية. فحين تتحول لغة التوافق إلى بيانات تتحدث عن «الاستمالة» و«الضغوط» واستقطاب المنتخبين، يصبح واضحاً أن حسابات الانتخابات بدأت تفرض نفسها بقوة على تحالفات الأمس.
بيان حزب التجمع الوطني للأحرار ضد شريكه في الحكومة، حزب الأصالة والمعاصرة، يكشف أن العلاقة بين مكونات الأغلبية دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: من سيحافظ على رجاله ومن سينجح في جذب رجال الآخرين؟
المثير في هذا الصراع أن الطرفين لا ينتميان إلى المعارضة، بل يجلسان معاً حول طاولة الحكومة. غير أن اقتراب الانتخابات يجعل كل حزب ينظر إلى المرحلة المقبلة بمنظار مختلف، ويبحث عن تعزيز مواقعه الانتخابية، ولو كان ذلك على حساب حليف حكومي.
ولعل عبارة «الميركاتو» التي استعملها رئيس الحكومة عزيز أخنوش لوصف انتقال بعض الوجوه السياسية بين الأحزاب، تختصر المشهد أكثر من أي بيان سياسي. فالسوق الانتخابية بدأت تتحرك، والأسماء التي كانت إلى الأمس القريب جزءاً من توازنات حزبية معينة أصبحت اليوم محل تنافس واستقطاب.
دخول فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة زاد المشهد تعقيداً، ليس فقط بالنظر إلى موقعه الحكومي والرياضي، وإنما أيضاً بسبب ما رافق هذه الخطوة من نقاش سياسي داخل التجمع الوطني للأحرار، بلغ حد تداول تسجيل منسوب إلى اجتماع داخلي للحزب.
وبغض النظر عن صحة كل ما ورد في التسجيل المتداول أو عن الجهة التي قامت بتسريبه، فإن مجرد خروجه إلى العلن يعكس حجم الحساسية التي باتت تحيط بالعلاقات بين مكونات الأغلبية.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بمن انتقل من حزب إلى آخر، وإنما بالسؤال الأكبر: هل تستطيع الأغلبية أن تحافظ على تماسكها الحكومي في الوقت الذي يخوض فيه مكوناتها سباقاً انتخابياً مفتوحاً؟
التجربة السياسية تقول إن التحالفات الحكومية غالباً ما تكون أكثر صلابة عندما تكون الانتخابات بعيدة، وأكثر هشاشة كلما اقترب موعد الاقتراع. وفي المغرب، يبدو أن «الهدنة» بين مكونات الأغلبية بدأت تنتهي تدريجياً، لتحل محلها منافسة تبحث عن المواقع والمرشحين والنفوذ الانتخابي.
الأيام المقبلة قد تكشف إن كان ما يحدث مجرد احتكاك انتخابي عابر، أم أنه بداية إعادة رسم حقيقية لخريطة التحالفات السياسية. لكن المؤكد أن الأغلبية الحكومية دخلت بالفعل مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم يعد فيها الخصم دائماً خارج الحكومة، بل قد يكون جالساً إلى جانبك حول الطاولة نفسها.