مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تعود لغة الوعود إلى الواجهة، ويجد الناخب المغربي نفسه مرة أخرى أمام أرقام براقة وشعارات كبيرة، من قبيل الالتزام برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم. وهو مطلب اجتماعي مشروع، بل وحاجة حقيقية لفئات واسعة من الأجراء، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ليس: كم سيبلغ الرقم؟ بل: كيف ومتى وبأي ضمانات سيتم بلوغه؟
تصريحات قيادات من حزب التجمع الوطني للأحرار، وفي مقدمتها الحديث عن أن الحزب «يراهن» على بلوغ 5000 درهم، تضع الحزب أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة. فالأحرار لم يعد حزباً يراقب من بعيد، بل كان في موقع قيادة الحكومة، وبالتالي فإن المغاربة لا ينظرون إلى وعوده كما ينظرون إلى وعود حزب يوجد خارج السلطة.
والأمر نفسه ينطبق على حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يتحمل بدوره جزءاً من المسؤولية السياسية باعتباره مكوناً أساسياً في الأغلبية الحكومية. لذلك، فإن تقديم الوعود الاجتماعية اليوم ينبغي ألا يكون منفصلاً عن حصيلة التدبير الحكومي خلال السنوات الماضية، ولا عن الأسئلة المرتبطة بارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية وتكاليف المعيشة.
المشكلة ليست في أن يعد السياسي بتحسين أجور المغاربة، وإنما في أن يتحول الرقم الانتخابي إلى غاية في حد ذاته. فالمواطن الذي يكافح يومياً من أجل دفع الكراء، وشراء المواد الأساسية، وأداء فواتير الماء والكهرباء، وتمدرس أبنائه، لا يحتاج إلى معارك كلامية حول من قال «5000» أولاً، ولا إلى تبادل الاتهامات والمزايدات.
أما عبارة «الكاشي والستيلو»، التي استُعملت للرد على الخصوم، فقد تكون صالحة للخطاب الحماسي في تجمع انتخابي، لكنها لا تجيب عن السؤال الحقيقي: ما هي الخطة الاقتصادية التي ستجعل 5000 درهم حداً أدنى قابلاً للتطبيق، من دون أن يتحول الأمر إلى ضغط إضافي على المقاولات أو إلى ارتفاع جديد في الأسعار؟
وهنا تحديداً تظهر الحاجة إلى خطاب سياسي أكثر جدية من مجرد الشعارات. فرفع الأجور ينبغي أن يوازيه دعم حقيقي للمقاولة، وتحسين للإنتاجية، ومحاربة للاحتكار والمضاربة، وإجراءات للحد من ارتفاع الأسعار، حتى لا يجد المواطن نفسه يتقاضى أجراً أعلى على الورق، بينما تتآكل قدرته الشرائية في السوق.
أما الأحرار والبام، ومع اقتراب الانتخابات، فهما مطالبان قبل غيرهما بتقديم الحساب السياسي للمغاربة: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ ولماذا؟ وما الذي سيختلف في الولاية المقبلة؟
فالناخب المغربي لم يعد يبحث فقط عن «5000 درهم» مكتوبة في برنامج انتخابي، بل يريد أن يعرف من سيضمن تنفيذها، ومتى، وبأي كلفة، ومن سيدفع ثمنها.
في الانتخابات، لا يكفي أن ترفع سقف الوعود؛ الأهم أن تستطيع رفع سقف الثقة.