ميزانية 2027.. حين تصبح الثقة الاجتماعية أهم من الأرقام

ليس مشروع قانون المالية لسنة 2027 مجرد وثيقة محاسباتية تحدد المداخيل والنفقات وترسم حدود العجز والمديونية، بل هو اختبار سياسي واجتماعي لمدى قدرة الحكومة على التوفيق بين متطلبات التوازن المالي وانتظارات المواطنين في العيش الكريم. ففي زمن تتزايد فيه التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، لم يعد نجاح الميزانيات يقاس فقط بما تحققه من مؤشرات إيجابية على الورق، بل بما تتركه من أثر ملموس في الحياة اليومية للأسر.

وتأتي هذه الاستحقاقات المالية في سياق دولي مضطرب، تتداخل فيه مخاطر الطاقة والتمويل مع الضغوط التضخمية وتداعيات التنافس الاقتصادي العالمي. وفي ظل هذه التحولات، تبرز الاحتجاجات الاجتماعية التي تعرفها بعض الدول الأوروبية باعتبارها مؤشرا على أن الاستقرار الاقتصادي لا يضمن بالضرورة الاستقرار الاجتماعي، وأن تجاهل تآكل القدرة الشرائية قد يوسع الهوة بين المؤسسات والمواطنين.

والمغرب ليس بمنأى عن هذه المعادلة. فالمواطن لا يتعامل مع الاقتصاد من خلال معدلات النمو أو نسب العجز، بقدر ما يقيسه من خلال أسعار المواد الغذائية، وتكاليف السكن والنقل، ومصاريف التمدرس والعلاج، ومدى قدرته على مواجهة الأعباء المتزايدة بدخل محدود. وحين تتسع المسافة بين المداخيل والنفقات، تصبح المؤشرات الماكرو-اقتصادية، مهما كانت إيجابية، عاجزة وحدها عن إقناع الأسر بتحسن أوضاعها.

من هنا، يبرز مفهوم «عجز الثقة» باعتباره أحد أبرز التحديات التي قد تواجه السياسات العمومية. فالثقة لا تُبنى بالوعود وحدها، ولا تستعاد عبر الخطابات الرسمية، وإنما تتشكل تدريجيا من خلال نتائج ملموسة، وإجراءات عادلة، وخدمات عمومية تستجيب لحاجيات المواطنين. كما أن المواطن الذي ينتظر تحسنا في المدرسة والمستشفى والنقل وفرص الشغل، لا تكفيه الإشارة إلى استقرار المالية العمومية ما لم يلمس أثر ذلك في واقعه اليومي.

غير أن معالجة هذه الإشكالات لا تعني الدعوة إلى إنفاق اجتماعي غير محسوب، قد يفاقم العجز ويرفع كلفة المديونية ويقيد الخيارات المالية مستقبلا. فالتحدي الحقيقي يكمن في حسن توجيه الموارد، وترتيب الأولويات، والتمييز بين النفقات التي تحقق أثرا اجتماعيا واقتصاديا مستداما وتلك التي لا تتجاوز حدود التدبير الظرفي. المطلوب، إذن، ليس الاختيار بين التوازنات المالية والعدالة الاجتماعية، بل البحث عن صيغة تجعل أحدهما داعما للآخر.

وفي هذا الإطار، تكتسي العدالة الضريبية أهمية خاصة، من خلال توزيع الأعباء بصورة تراعي القدرة الحقيقية على المساهمة، والتخفيف من الضغط على ذوي الدخل المتوسط، ومحاربة التهرب الضريبي، وتوسيع قاعدة المساهمين وفق قواعد الإنصاف. كما يظل تحسين جودة الخدمات العمومية مدخلا أساسيا لتقوية الثقة، لأن المواطن لا يقيس مساهمته في تمويل الدولة بما يؤديه من ضرائب فقط، بل بما يحصل عليه مقابل ذلك من خدمات وفرص وضمانات اجتماعية.

أما الحماية الاجتماعية، فلا ينبغي أن تظل مجرد آلية للتخفيف من آثار الأزمات بعد وقوعها، بل يتعين أن تتحول إلى سياسة وقائية تستبق الهشاشة وتحد من اتساعها. فالطبقة الوسطى، التي تشكل أحد أعمدة التوازن الاجتماعي، تحتاج بدورها إلى سياسات تحافظ على قدرتها الشرائية وتحد من تآكل دخلها، فيما تتطلب الفئات الهشة دعما موجها وفعالا يضمن وصول الموارد إلى مستحقيها.

إن الرسالة التي تفرضها التحولات الدولية واضحة: الاستقرار لا يُختزل في الأرقام، والنمو لا يكتسب قيمته الاجتماعية إلا حين تنعكس ثماره على المواطنين. لذلك، ستكون ميزانية 2027 مطالبة بإثبات أن الانضباط المالي يمكن أن يتعايش مع حماية القدرة الشرائية، وأن الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن ينفصل عن الإنصاف الاجتماعي.

في النهاية، لن يكون السؤال الأهم هو مقدار العجز الذي ستسجله الميزانية، بل مقدار ما ستنجح في تقليصه من عجز الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالأرقام قد تمنح الاقتصاد مؤشرات على الاستقرار، لكن العدالة في توزيع الأعباء والفرص، وجودة الخدمات، والإحساس بالإنصاف، هي التي تمنح هذا الاستقرار معناه الاجتماعي الحقيقي.

ميزانية 2027 أمام امتحان يتجاوز الحسابات المالية: امتحان القدرة على جعل الاستقرار الاقتصادي وسيلة لتحسين شروط العيش، لا غاية منفصلة عن انتظارات المغاربة.

الأكثر قراءة