باريس: عاد الجدل من جديد حول اتفاق عام 1968 المنظم لإقامة وتنقّل الجزائريين في فرنسا، بعدما أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عن رغبته في “إعادة التفاوض في أقرب وقت ممكن” بشأن هذا الاتفاق الذي يمنح امتيازات خاصة لمواطني الجزائر. وجاء تصريح لوكورنو تحت ضغط حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، الذي يطالب بإلغاء الاتفاق بشكل نهائي.
تصريحات رئيس الحكومة الفرنسية جاءت في أعقاب مداخلة للقيادية اليمينية مارين لوبان أمام الجمعية الوطنية، بعد أيام قليلة من تصويت نواب حزبها على قرار غير مُلزِم يدعو إلى إلغاء الاتفاقية. هذا التصويت، رغم طابعه الرمزي، وضع الحكومة الفرنسية في موقف حرج أمام الرأي العام، ودفع لوكورنو إلى التوضيح بأنه “لا يؤمن بالإلغاء بل بإعادة التفاوض”، في محاولة لاحتواء الجدل السياسي الداخلي.
لكن هذه الدعوة لإعادة التفاوض لا تبدو واقعية في الوقت الراهن، إذ إن الجزائر ترفض منذ سنوات أي نقاش حول الموضوع. فباريس تطالب بمراجعة الاتفاق منذ عام 2010 دون جدوى، رغم اتفاق مبدئي جرى خلال لقاء ثنائي عام 2022 على “فتح حوار” بهذا الخصوص. غير أن العلاقات بين البلدين ازدادت توتراً منذ صيف 2024، عقب اعتراف الرئيس إيمانويل ماكرون بمغربية الصحراء الغربية، وهو الموقف الذي أغضب الجزائر بشدة.
ورداً على هذا التطور، جمّدت الجزائر التعاون القنصلي مع باريس، وامتنعت عن استقبال مواطنيها المشمولين بقرارات الترحيل من فرنسا. كما ترفض منذ قرابة عام الإفراج عن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، والصحافي الفرنسي كريستوف غليز، ما فاقم التوتر بين الجانبين.
تنص اتفاقية 1968 على منح الجزائريين امتيازات خاصة في مجال الإقامة، من بينها الحصول على بطاقة إقامة لعشر سنوات بعد ثلاث سنوات فقط من الإقامة الفعلية في فرنسا، مقابل خمس سنوات لغيرهم من الأجانب. كما يستفيد الزوج الجزائري المتزوج من فرنسية من إقامة طويلة الأمد بعد سنة واحدة من الزواج، فضلاً عن تسهيلات في لمّ الشمل العائلي.
وقد تم تعديل الاتفاق ثلاث مرات: 1985 و1994 و2001، دون المساس بجوهر الامتيازات الممنوحة.
ويرى منتقدو الاتفاق، خاصة في اليمين الفرنسي، أن هذه الامتيازات لم تعد مبرَّرة في ظل تحولات المجتمع الفرنسي وضغوط الهجرة، معتبرين أنه من الأنسب إخضاع الجزائريين لنفس القواعد القانونية التي تسري على باقي المهاجرين. في المقابل، ترى الجزائر أن الاتفاق يعكس الخصوصية التاريخية للعلاقة بين البلدين، وأن المساس به محاولة لتسييس ملف الهجرة.
وتجد الحكومة الفرنسية نفسها اليوم عالقة بين ضغط داخلي متزايد ورفض جزائري قاطع. فبينما تعهّد وزير الداخلية السابق برونو روتايو بخفض عدد التأشيرات الممنوحة بنسبة 30% ليصل إلى 250 ألف تأشيرة في 2024، يواصل الرئيس ماكرون الرهان على الحوار الدبلوماسي لتجاوز الأزمة، لا سيما في ظل مساعيه لإطلاق سراح صنصال.
وقد زار عدد من الوزراء الفرنسيين الجزائر، من بينهم جيرالد دارمانان (وزير الداخلية سابقاً، ووزير العدل حالياً)، وجان-نويل بارو (وزير الخارجية)، ومن المنتظر أن يتوجه لوران نونيز (وزير الداخلية الحالي) إلى الجزائر قريباً، غير أن هذه التحركات لم تثمر أي اختراق في الأزمة حتى الآن.