اليد الممدودة… هل تسمع الجزائر؟

في كل مرة يُطل فيها الملك محمد السادس بخطاب العرش، يُنتظر أن يحمل رسائل استراتيجية، لا تقتصر فقط على الداخل، بل تتجاوز أسوار المملكة لتلامس قضايا الجوار والإقليم. وهذا ما تأكد مجددًا في خطاب الذكرى السادسة والعشرين لجلوسه على العرش، حين جدّد الدعوة لحوار "صريح وأخوي" مع الجزائر، كأنما الزمن توقف منذ أول دعوة، والباب ظل موصدًا من الجهة الأخرى.

الملك، وكما جرت العادة، لم يلجأ إلى لغة التصعيد، ولا رفع سقف المطالب، بل تحدث بلغة الأخوّة، مبرزًا الروابط التاريخية والإنسانية والدينية التي تجمع بين الشعبين، قبل أن يُعلن صراحةً استعداد المغرب للدخول في حوار مسؤول حول مختلف القضايا العالقة. دعوة ليست بالجديدة، لكنها تأخذ هذه السنة طابعًا أكثر إلحاحًا في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة، والمخاطر التي تتهدد أمنها الجماعي.

ما يلفت الانتباه هو الاتساق في موقف المغرب؛ اليد الممدودة ظلت ثابتة، رغم برود الرد أو انعدامه من الجانب الجزائري. خطاب العرش لم يكن فقط رسالة سياسية، بل إعلان نوايا صادق، يُخاطب العقل الجزائري الرسمي وضميره، ويضع الكرة من جديد في ملعبه.

الملف الشائك بين الجارين، وهو نزاع الصحراء، ظل نقطة الخلاف المركزية، ولم تُفلح محاولات الوساطة الدولية في إذابة جليد التوتر. لكن خطاب الملك حمَل هذه المرة رؤية متقدمة: تجاوز الماضي والعودة إلى منطق الحوار لا يعني التنكّر للخلاف، بل البحث عن مقاربة جديدة لحله، بعيدًا عن لغة القطيعة والاتهامات.

الملك أعاد التذكير كذلك بحلم الاتحاد المغاربي، ذاك الكيان الذي لم يرَ النور رغم مرور عقود على تأسيسه، في وقت تتكتل فيه الشعوب وتتوحد الجهود عبر العالم. وهنا الرسالة كانت واضحة: لا اتحاد مغاربي دون انخراط المغرب والجزائر معًا، ولا أمل في المستقبل دون طيّ صفحة الماضي.

لقد اختار العاهل المغربي طريق الحكمة، مرة أخرى. السؤال اليوم: هل تلتقط الجزائر الإشارة؟ أم أن "الوضع المؤسف" الذي تحدّث عنه سيستمر، في زمن لم يعد يقبل بإضاعة الفرص؟ اليد ممدودة… لكن لا يمكنها أن تصافح الهواء.

الأكثر قراءة