حين تصبح القدم مقامًا: عن عبادة الأشخاص وامتهان الكرامة

في بعض المواسم والزوايا، لا يعود المشهد مجرد طقس عابر، بل يتحول إلى صورة تكشف كيف يمكن للخوف والحاجة واليأس أن تدفع الإنسان إلى التنازل عن شيء لا ينبغي أن يتنازل عنه: كرامته.

قدم ممدودة، ووجوه تنحني، وشفاه تبحث عن البركة في موضع لا يملك، في النهاية، سوى أن يكون قدم إنسان. وبينما يتسابق البعض إلى تقبيل الأقدام، تقف الحاشية حول صاحبها لتصنع من المشهد هيبة، ومن الخضوع أدبًا، ومن التردد قلة إيمان.

المفارقة أن كل واحد يأتي إلى ذلك المكان وهو يحمل أمنية مختلفة. مريض يبحث عن الشفاء، وأم تخاف على ابنها، وعاطل ينتظر فرجًا، ومدين يتمنى الخلاص، وشاب يبحث عن الزواج. تتجمع كل هذه الآمال حول شخص واحد، وكأن مصائر الناس أصبحت معلقة بإشارة من يده أو حركة من قدمه.

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فحين يتحول الإيمان إلى انتظار لمعجزة يصنعها بشر، وحين يصبح احترام الصالحين مرادفًا للخضوع لهم، وحين يُطلب من الإنسان أن يخفض رأسه كي يثبت حسن نيته، فإننا لا نكون أمام تدين يرفع الإنسان، بل أمام ممارسة تنقص من قيمته.

ليس الاعتراض على احترام الصالحين أو زيارة الزوايا أو تقدير رموز التدين. الاعتراض يبدأ عندما يتحول الاحترام إلى تقديس، والتقدير إلى تبعية، والمحبة إلى إذلال.

فالإنسان الصالح، إن كان صالحًا حقًا، لا يحتاج إلى ظهور منحنية كي يثبت مقامه، ولا إلى شفاه تتسابق نحو قدمه كي يعرف الناس قدره. قيمته الحقيقية تظهر في أثره بين الناس: في علم نشره، أو فقير أعانه، أو مريض ساعده، أو جاهل علّمه، أو مظلوم وقف إلى جانبه.

أما أن يصبح معيار المكانة عدد الذين يقبلون القدم، فذلك لا يصنع قداسة، بل يصنع صناعة كاملة للخضوع.

والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لا تتوقف عند جيل واحد. فالطفل الذي يرى الكبار ينحنون أمام شخص، قد يتعلم أن السؤال قلة أدب، وأن العقل يجب أن يتوقف أمام الهيبة، وأن الإنسان كلما خفض رأسه اقترب من البركة.

وهنا يصبح الأمر أكبر من قبلة على قدم. يصبح تربية على الانحناء.

قد يقول قائل إن الناس يفعلون ذلك عن محبة واقتناع. وهذا صحيح في بعض الحالات، لكن المحبة لا ينبغي أن تكون على حساب الكرامة، والإيمان لا يحتاج إلى إلغاء العقل، والاحترام لا يقتضي تحويل الإنسان إلى تابع.

ثم إن الواقع نفسه يطرح سؤالًا بسيطًا: ماذا يحدث بعد انتهاء الموسم؟

يعود المريض إلى مرضه، والمدين إلى دينه، والعاطل إلى بطالته، والأسرة إلى مشاكلها. لا تتغير الحياة لأن شفاهًا لامست قدمًا، ولا تُحل الأزمات لأن الجموع ازدحمت حول شخص.

قد يجد الإنسان في زيارة الزوايا السكينة، وقد يجد في الدعاء مواساة، وقد يستلهم من سيرة رجل صالح معنى جميلًا للحياة. لكن السكينة شيء، وتحويل البشر إلى وسطاء خارقين شيء آخر.

نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار إلى معنى البركة الحقيقي. البركة ليست في الغبار العالق بنعل، ولا في عدد القبلات، ولا في حجم الحاشية. البركة أن يخرج الإنسان من مجلسك أكثر كرامة مما دخل، وأكثر علمًا مما كان، وأكثر قدرة على مواجهة حياته.

اليد التي تطعم فقيرًا أبلغ من يد تمتد لجمع النذور، والكتاب الذي يعلّم طفلًا أشرف من مئات الطقوس التي لا تغيّر واقع أحد، والدواء الذي يصل إلى مريض أكثر أثرًا من وعد بالشفاء لا يستند إلى علاج.

ليس المطلوب أن نحارب الإيمان، بل أن نحميه من الاستغلال. وليس المطلوب أن نهين الصالحين، بل أن نمنع تحويلهم إلى أصنام بشرية. وليس المطلوب أن نسخر من الناس، بل أن نساعدهم على استعادة الثقة بعقولهم وقدرتهم على تغيير حياتهم.

فالسماء لا تحتاج إلى وسطاء يتلقون القبلات عند أقدامهم.

والإنسان الذي يعرف قيمة الإنسان، لا يطلب منه أن ينحني.

ارفعوا رؤوسكم، احترموا الصالحين بأعمالهم، واقتدوا بهم في أخلاقهم، واتركوا الأقدام لأصحابها. فالكرامة ليست عائقًا أمام الإيمان، والعقل ليس خصمًا للروح، ومن أراد أن يترك أثرًا حقيقيًا في الناس، فليساعدهم على الوقوف لا على الانحناء.

لأن الصالح الحقيقي لا يجمع الناس حول قدمه، بل يساعدهم على الوقوف على أقدامهم.

الأكثر قراءة