بقلم: كريم مفيد
ليست أهمية مشروع قانون المالية لسنة 2027 في كونه وثيقة سنوية تحدد مداخيل الدولة ونفقاتها، بل في كونه أول اختبار اقتصادي واجتماعي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، التي تجد نفسها أمام مسؤولية تحويل الوعود السياسية إلى إجراءات ملموسة يشعر المواطن المغربي بأثرها في حياته اليومية.
فالمغرب لا يعاني من نقص في البرامج والمخططات بقدر ما يواجه تحديا يرتبط بمدى قدرة هذه البرامج على تحسين شروط العيش، وتوفير فرص الشغل، وتخفيف الضغط على الأسر، وتقليص الفوارق بين المدن والقرى وبين الجهات التي تستفيد من الدينامية الاقتصادية وتلك التي لا تزال تنتظر نصيبها من التنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع مالية 2027، الذي يحمل رقم 60.26، لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية الأرقام والتوقعات والمؤشرات الماكرو اقتصادية، وإنما من زاوية أثره الاجتماعي، ومدى استجابته لمطالب فئات واسعة من المغاربة الذين ينتظرون نتائج ملموسة تتجاوز الخطابات الرسمية.
لقد وضعت الحكومة ضمن أولويات المشروع استعادة القدرة الشرائية، وإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق، وتسريع التنمية الترابية المندمجة، وتعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، إلى جانب بناء اقتصاد قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والحفاظ على التوازنات المالية. وهي أهداف تبدو في ظاهرها منسجمة مع التحديات التي تواجه البلاد، غير أن الرهان الحقيقي يظل في كيفية تنزيلها وتحديد المستفيدين منها وحجم أثرها على الواقع.
القدرة الشرائية.. الاختبار الأكثر إلحاحا
لا يحتاج المواطن المغربي إلى تقارير اقتصادية معقدة حتى يدرك حجم الضغط الذي تواجهه ميزانيته الشهرية؛ فتكلفة المعيشة، ومصاريف السكن، ومتطلبات التعليم والصحة، تشكل عناصر أساسية في تحديد مستوى رضاه عن السياسات العمومية.
لذلك، فإن نجاح قانون المالية المقبل لن يُقاس فقط بقدرة الدولة على ضبط العجز أو تعبئة الموارد، وإنما أيضا بمدى مساهمته في حماية القدرة الشرائية، وتحسين دخل الأسر، وتوفير شروط المنافسة التي تحد من الاختلالات في الأسواق.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الاستقرار المالي، بل إن هذا الاستقرار يفقد جزءا من قيمته الاجتماعية إذا لم تنعكس ثماره على حياة المواطنين. فالتوازنات المالية وسيلة لضمان استدامة السياسات العمومية، وليست غاية منفصلة عن حاجيات المجتمع.
ومن هنا، تبرز ضرورة أن تكون التدابير الاجتماعية دقيقة وفعالة، وأن تصل إلى الفئات التي تحتاج إليها فعلا، مع تقييم دوري لنتائجها، حتى لا تتحول الاعتمادات المرصودة إلى أرقام في الوثائق الرسمية دون أثر ملموس.
الشباب والشغل.. من الوعود إلى الفرص الحقيقية
يحتل إدماج الشباب في سوق الشغل موقعا مهما ضمن رهانات مشروع المالية، وهو ملف لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد محور من محاور السياسات الحكومية، لأن الأمر يتعلق بمستقبل فئة واسعة من المجتمع وبقدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص مستدامة.
فالتحدي لا يكمن فقط في الإعلان عن برامج للتشغيل أو تقديم تحفيزات للمقاولات، بل في ضمان أن تؤدي هذه التدابير إلى إحداث مناصب شغل فعلية، وأن يستفيد منها الشباب في مختلف الجهات، لا أن تظل الفرص متركزة في المجالات الأكثر جاذبية للاستثمار.
كما أن دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وتسهيل حصولها على التمويل، وتبسيط المساطر الإدارية والجبائية، يمكن أن يشكل مدخلا أساسيا لتوسيع قاعدة التشغيل وتقوية الاقتصاد المحلي.
وفي المقابل، فإن أي سياسة للتشغيل لن تحقق أهدافها كاملة إذا لم ترتبط بتكوين يتلاءم مع حاجيات سوق العمل، وبمناخ اقتصادي يسمح للمبادرات الخاصة بالنمو والاستمرار.
التنمية المجالية.. لا تنمية حقيقية دون إنصاف الجهات
من بين الملفات التي تستحق اهتماما خاصا في قانون المالية المقبل، مسألة العدالة المجالية، باعتبارها أحد الشروط الأساسية لتحقيق تنمية متوازنة. فلا يمكن الحديث عن اقتصاد قوي ومستدام في ظل استمرار التفاوت في الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية والبنيات التحتية وفرص الاستثمار.
وإذا كانت المشاريع الكبرى تمنح المغرب مكانة متقدمة في عدد من المجالات، فإن نجاح النموذج التنموي يظل مرتبطا بقدرته على الوصول إلى المناطق التي لا تزال تعاني ضعف التجهيزات ومحدودية الفرص الاقتصادية.
وهنا تبرز أهمية ربط الإنفاق العمومي بنتائج واضحة، وتوجيه الاستثمارات وفق حاجيات كل جهة وإقليم، مع تعزيز آليات التتبع والمحاسبة، حتى يصبح المواطن قادرا على تقييم ما تحقق على أرض الواقع.
كما أن الأمن المائي والطاقي والغذائي لم يعد ترفا اقتصاديا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرض الاستثمار في الحلول المستدامة، وتطوير البنيات الأساسية، وتقوية قدرة البلاد على مواجهة التقلبات المناخية والاضطرابات الدولية.
الاستثمار والتوازنات المالية.. معادلة دقيقة
في المقابل، لا يمكن مطالبة الدولة بتوسيع الإنفاق الاجتماعي دون مراعاة الموارد المتاحة واستدامة المالية العمومية. فالموازنة بين الطموحات الاجتماعية والإمكانات الاقتصادية تظل من أصعب التحديات التي تواجه أي حكومة.
غير أن الحفاظ على التوازنات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتأجيل الإصلاحات الضرورية، كما أن توسيع الإنفاق لا ينبغي أن يتم دون تقييم مردوديته الاقتصادية والاجتماعية.
والمطلوب هو توجيه الموارد نحو الأولويات ذات الأثر المباشر، وترشيد النفقات غير الضرورية، وتحسين فعالية الاستثمار العمومي، إلى جانب توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي وتعزيز الثقة بين الإدارة والمقاولة والمواطن.
كما أن الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 يمنح المغرب فرصة لتسريع إنجاز مشاريع البنية التحتية والنقل والخدمات، لكن الرهان الحقيقي يتمثل في ضمان أن تترك هذه الاستثمارات أثرا مستداما على الاقتصاد الوطني، وأن تساهم في خلق فرص الشغل وتحسين الخدمات بعد انتهاء التظاهرة.
امتحان الحكومة يبدأ من التنفيذ
إن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يشكل مناسبة لقياس مدى قدرة الحكومة الجديدة على الجمع بين الطموح الاجتماعي والانضباط المالي، وبين تشجيع الاستثمار والاستجابة لمطالب المواطنين.
لكن الحكم النهائي على المشروع لن يكون رهينا بما يتضمنه من عناوين جذابة أو أهداف معلنة، بل بما ستكشف عنه الأشهر المقبلة من نتائج في التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والتنمية المجالية.
فالمواطن لا ينتظر فقط أن يسمع أن الاقتصاد ينمو أو أن الاستثمارات تتزايد، وإنما يريد أن يعرف كيف سينعكس ذلك على دخله، وعلى فرص أبنائه، وعلى جودة الخدمات التي يحصل عليها، وعلى قدرته على مواجهة تكاليف الحياة.
وبين لغة الأرقام ولغة الواقع، ستجد حكومة المنصوري نفسها أمام اختبار سياسي واجتماعي حقيقي: هل تستطيع ميزانية 2027 أن تجعل من النمو الاقتصادي رافعة لتحسين الحياة اليومية للمغاربة، أم ستظل المسافة قائمة بين ما تعد به السياسات العمومية وما يلمسه المواطن في واقعه؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش حول مالية 2027، وهو أيضا المعيار الذي ستُقاس به حصيلة الحكومة، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة، وقريبا من انتظارات المغاربة.