البطاقة المهنية ليست مجرد ورقة.. الصحافة مهنة ومسؤولية وليست صفة تُمنح بالادعاء

في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وأصبح فيه البعض يخلط بين امتلاك هاتف ذكي وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي وبين ممارسة الصحافة بمفهومها المهني والقانوني، بات من الضروري توضيح مجموعة من الحقائق، بعيداً عن المزايدات والشعارات الفارغة ومحاولات تضليل الرأي العام.

أولاً، البطاقة المهنية للصحافة ليست مجرد قطعة بلاستيكية تُحمل في الجيب، بل وثيقة مرتبطة بالصفة المهنية، تخضع شروط الحصول عليها للمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.** وهي، إلى جانب الوثائق والعناصر القانونية الأخرى، وسيلة لإثبات الوضعية المهنية للصحفي، وتمييزه عن الأشخاص الذين يمارسون النشر على منصات التواصل الاجتماعي دون استيفاء شروط المهنة.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: كيف يمكن لشخص أن يدعي الانتماء إلى مهنة الصحافة دون أن تكون له علاقة مهنية واضحة بمؤسسة إعلامية، أو عقد عمل يحدد حقوقه وواجباته، أو مسار مهني يمكن التحقق منه؟

إن العلاقة بين الصحفي والمؤسسة الإعلامية لا تُبنى على الشعارات، بل على الثقة والمسؤولية والالتزام. فالمؤسسة التي تحترم نفسها مطالبة باعتماد معايير واضحة في تشغيل الصحفيين، وتحديد مهامهم، وتسوية وضعيتهم المهنية والاجتماعية، وإعداد الملفات اللازمة للحصول على البطاقة المهنية وفق الشروط القانونية المعمول بها.

أما الصحفي، فهو مطالب بدوره بإثبات كفاءته، واحترام أخلاقيات المهنة، والالتزام بقواعد التحقق من الأخبار، والابتعاد عن التشهير وتضليل الجمهور. فالشهادة الأكاديمية والتكوين المهني والتجربة الميدانية عناصر مهمة في بناء المسار الصحفي، مع مراعاة الشروط القانونية الخاصة بكل فئة مهنية.

ثانياً، الاستقرار المهني داخل المؤسسة الإعلامية ليس عيباً، بل قد يكون مؤشراً على علاقة مهنية ناجحة.** فالصحفي الذي يراكم التجربة ويطور أدواته ويكسب ثقة مؤسسته، يساهم في بناء إعلام مسؤول ومستقل. غير أن طول مدة العمل وحده لا يكفي للحكم على كفاءة الصحفي أو مصداقيته، كما أن الانتقال بين المؤسسات لا يشكل في حد ذاته دليلاً على ضعف المستوى المهني؛ فالعبرة بجدية التجربة واحترام القانون وأخلاقيات المهنة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول صفة «مراسل صحفي» إلى غطاء يمنح لأي شخص حق تقديم نفسه باعتباره صحفياً مهنياً دون سند قانوني. فالممارسة الصحفية مسؤولية، وليست وسيلة للحصول على الامتيازات أو ممارسة الضغط على الإدارات والمؤسسات أو انتزاع الخدمات باسم مهنة لا تتوفر شروط إثباتها.

ثالثاً، البطاقة المهنية ليست حصانة مطلقة، كما أن غيابها لا يعني تلقائياً أن كل نشاط صحفي يقوم به الشخص غير قانوني، فالوضعية القانونية تختلف بحسب طبيعة النشاط والصفة المهنية والنصوص المنظمة لها. لذلك، فإن إطلاق أحكام عامة من قبيل أن كل شخص لا يحمل البطاقة متطفل على القطاع، أو أن كل حامل لها يتمتع تلقائياً بجميع الحقوق والامتيازات، لا يخدم النقاش المهني ولا يعكس تعقيدات الإطار القانوني.

والأمر نفسه ينطبق على الحق في الوصول إلى المعلومة، وحضور التظاهرات الرسمية والرياضية، والتعامل مع الإدارات العمومية، والاستفادة من الحماية القانونية. فهذه الحقوق تخضع لشروط ونصوص وإجراءات محددة، ولا يجوز اختزالها جميعاً في مجرد امتلاك البطاقة أو غيابها.

كما أن سرية المصادر الصحفية والحماية المرتبطة بممارسة العمل الصحفي ليستا امتيازاً يسمحان بالإفلات من المسؤولية، بل ضمانتان ترتبطان بممارسة المهنة وفق القانون. والبطاقة المهنية بدورها لا تمنح صاحبها الحق في السب أو القذف أو التشهير أو نشر الأخبار غير المتحقق منها.

أما المؤسسة الإعلامية التي تستغل العاملين لديها، وتكلفهم بمهام صحفية دون تسوية وضعيتهم المهنية والاجتماعية، أو توهمهم بإمكانية الحصول على البطاقة دون احترام الشروط المطلوبة، فهي مطالبة بتحمل مسؤوليتها أيضاً. فلا يمكن مطالبة الصحفي باحترام القانون، في الوقت الذي تتنصل فيه المؤسسة من واجباتها تجاهه.

إن الدفاع عن مهنة الصحافة يبدأ من احترام الصحفيين الحقيقيين، وصون كرامتهم، وضمان حقوقهم، والتصدي لكل أشكال الاستغلال وانتحال الصفة، دون السقوط في التشهير بالأشخاص أو توزيع أحكام جاهزة على العاملين في القطاع.

الصحافة ليست هاتفاً وميكروفوناً فقط، وليست بطاقة تُعلّق حول العنق وتنتهي عندها الحكاية. إنها تكوين وممارسة ومسؤولية وأخلاقيات وعلاقة مهنية واضحة.** ومن يريد الدفاع عن المهنة، عليه أن يبدأ باحترام قانونها، ومطالبة المؤسسات بتطبيقه، وتمكين الصحفيين من حقوقهم، ومحاسبة كل من يستغل اسم الصحافة لتحقيق مصالح شخصية.

فالهدف ليس إقصاء أحد، بل حماية المهنة من الفوضى، وحماية الصحفي من الاستغلال، وحماية المواطن من التضليل. لأن الصحافة التي لا تحترم القانون تفقد جزءاً من مصداقيتها، والمؤسسات التي لا تحترم العاملين لديها تسيء إلى القطاع، ومن يدعي صفة لا يستحقها يضر بالمهنة وبثقة المجتمع فيها.

الصحافة مهنة تُمارس بمسؤولية، وتُثبت بالمسار المهني، وتُحمى بالقانون؛ وليست صفة تُكتسب بمجرد الادعاء.**

الأكثر قراءة